الخميس 27 أبريل 2017 10:57 م القاهرة القاهرة 23.2°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في رفع سعر تذكرة مترو الأنفاق إلى 2 جنيه؟

محب ميلاد

نشر فى : الخميس 20 أبريل 2017 - 10:20 م | آخر تحديث : الخميس 20 أبريل 2017 - 10:20 م
حكاياتى مع الميكروباص طويلة، لا أراه مجرد وسيلة مواصلات، ولكنه عالم بأكمله، يوفر لى أحيانا فرصة نادرة للقراءة، إذا كان موقعى فى المقعد الأخير بجوار الشباك، ويتيح لى أن أتعرف على ألوان من السائقين، إذا كان موقعى فى المقاعد بجوار السائق، ويمنحنى بعض الثواب (بتوصيل الأجرة، وجمعها، وتحمل الثرثرة حتى نهاية الخط) إذا وقع حظى فى المقاعد الوسطى، أو إذا جلست فى المقعد القلاب المتحرك.

والخيار الأخير، يتيح لى «أوبشن» إضافيا، وهو ممارسة رياضة القيام والجلوس، كل ربع الساعة تقريبا، لكى يتمكن العابرون من النزول، وهى رياضة مصرية بامتياز، لا تخلو من طرافة، تمنع ظهور الكرش، وتقوى عضلات الساقين، وتجعلك يقظا منتبها طوال الوقت، وستكون حظوظنا فيها قوية، لو تم اختيارها من رياضات الأوليمبياد، ذات الميداليات.
منذ أيام كنت فى المقعد الأمامى، والتقيت شخصية رائعة، شاب اسمه «محب ميلاد»، سائق ميكروباص بدرجة مهندس شبكات «نيت وورك»، تخرج فى الجامعة الروسية فى مدينة بدر، لم أر مثله حضورا وبشاشة وظرفا، فلما تكلمت معه، عرفت قصة عظيمة تستحق أن تروى، حكاية لن تراها فى أفلام السينما، المشغولة بالاستظراف والاستعباط، والمهمومة بنقل السيناريوهات والأفلام من السينما الأمريكية، والحافلة بتشكيلة معتبرة من الشخصيات المعتوهة.
لفت نظرى محب قبل أن أركب الميكروباص، أخذ يتبادل الدعابة مع كل راكب، ويتحدث معهم بذوق رفيع، حملت معى نسخا من كتاب لى فى المقعد المجاور، ومثل مضيف الطائرة، وعدنا السائق الشاب بلحيته الخفيفة بأن تكون الرحلة ممتعة وحافلة بالمفاجآت، كان يتكلم وكأنه يقود طائرة بالفعل، وبينما تستغرق عملية «جمع الأجرة» وقتا وجهدا ينتهى إلى خناقات، فإن السائق المبتهج جمع نقوده فى ثوان، وانطلق بنا من عبدالمنعم رياض إلى فيصل، وسط سعادة الركاب، لدرجة ظننت معها أننا فى طريقنا إلى القناطر الخيرية، لقضاء أجازة، بعيدا عن هموم العمل.
نظر السائق إلى نسخ كتابى المجاورة له، قال لى مبتسما: «معلش أصل أنا من هواة القراءة»، على الفور تحمست، أخرجت نسخة وأهديتها له، استدرك مندهشا: «مقصدش والله.. وما ينفعش آخد كتاب ما أدفعش تمنه»، ولم يقبل النسخة إلا بعد أن أفهمته أننى المؤلف، وهى نسخ خاصة بى أهديها لمن أشاء، فما بالك بسائق ميكروباص يعشق القراءة؟!
زادت دهشتى عندما أخبرنى عن مؤهله كمهندس كمبيوتر، وطلب منى أن أكتب على النت عبارة: «ميكروباص رايح جاى ببلاش»، فعلت، فظهر فيديو لقاء مع السائق الشاب محب ميلاد، الذى يصر على أن يخصص وقتا يقوم فيه بنقل الركاب بالمجان، مع أنه ليس صاحب السيارة التى يعمل عليها، أدركت أننى أمام قصة مختلفة، ولم يخيب محب توقعى.
مثل أى شاب، بدأ محب حياته العملية بعد تخرجه، عمل لفترة فى مجال السياحة، لغته الروسية جيدة، فى شرم الشيخ حقق نجاحا، ثم تراجعت السياحة، وعمل لفترة فى مجال صيانة شبكات الاتصالات تابعة لشركة كبرى، كان مسئولا عن الاتصالات على طريق مصر الإسكندرية الصحراوى، حقق نجاحا، وجمع أموالا ساعدته على شراء شقة تمليك، خطب فتاة، ولكنه سرعان ما ترك العمل فى الشركة، أصبح عاطلا من جديد، يضحك محب وهو يقول: «قعدت تسعة شهور أعمل إنترفيوهات بدون فائدة».
ذات يوم، ذهب محب لكى يستلف مالا، يسدد به أموال الجمعيات التى يشترك فيها، صديقه يسكن فى آخر فيصل، فى طريق عودته جلس محب مثلى بجوار السائق، كان الرجل يقود بطريقة سيئة، خطر فى بال محب أن يسأله عن وظيفة سائق، قال الرجل: إنه صاحب السيارة، ويمكن أن يمنح محب فرصة قيادتها، ومن هنا بدأ وظيفته الجديدة، منذ تسعة أشهر فقط، ولكنه كان سائقا مختلفا، لدرجة أنه نجح فى تجديد سيارة الرجل بمبلغ 4 آلاف جنيه، وفرها من عائد السيارة نفسها، لقد اعتبرها سيارته، وإن لم يقدر صاحبها مجهوده، ثم اشتهر محب بطريقته العجيبة: كل يوم له «مقطوعية» أو مبلغ محدد يتفق على تقديمه لصاحبها، ثم يخصم ثمن البنزين، وما زاد عن ذلك فهو له، ومن حقه بعد ذلك أن يركب زبائنه بالمجان وسط ذهولهم، يقول جادا: «باخد حقى، وادى المالك حقه، وباساعد الناس.. إيه المشكلة؟».
أسأله: «هل تقبلت خطيبتك وأهلها وظيفتك الجديدة؟»، يضحك ساردا قصة غريبة: «هى لم تتقبل، ولكن أبوها إنسان عظيم، اللى حصل إنها عرفت بالصدفة، مرة كانت بتشترى حاجات فى شارع العريش، وكنت أحمل ركابا على ناصية الشارع، ركبت معى، وأصيبت بصدمة، رفضت أن أحصل منها على أجرة، بعد أن سرت عدة أمتار قالت لى: «نزل الركاب.. وروحنى البيت»، نفذت ما طلبته، سأل والدها عما حدث، فحكيت له عن الوظيفة التى أتكسب منها، حتى أجد فرصة للعمل بشهادتى «مش ح انسى إن والد خطيبتى شجعنى، وقاللى أنا اللى معرفتش أربى بنتى، ولو اتصلت بيك ما تردش عليها، لو رديت أنا اللى ح ارفض تتجوزها، قعدت عشرة أيام تتصل، وأنا ما اردش، لحد ما اتقابلنا على ناصية شارع العريش تانى، ركبت معايا خمس ساعات، تشوف إزاى باشتغل، وإزاى باتعامل مع الناس، فاقتنعت».
أقول لمحب: «أنت تدهشنى يا صديقى»، يقول ببساطة: «لا دهشة ولا حاجة.. أمال كنت ح تقول إيه لو شفتنى فى الموقف أول يوم بالقميص والبنطلون، والسواقين بيضحكوا على الأفندى الذى أصبح سائق ميكروباص، دلوقتى كلهم أصدقائى وحبايبى، الناس دى مظلومة بجد، المهنة شاقة ومرهقة، بتتعامل مع كل أصناف البشر، باعتبرها خبرة عظيمة، ح تسهل عملى بعد كده من جديد فى تخصصى، ح اعرف أعامل كل الناس».
طلبت من محب أن يمنحنى شرف أن أكتب له إهداء على كتابى، سجلت تحت الإهداء رقم تليفونى، أملانى رقم تليفونه، واصل القيادة مبتهجا، قرر أنه لا يزال يقوم بتحميل الركاب مجانا، إذا استوفى نصيب مالك السيارة اليومى، ثم خصم نصيبه، ودائما ما يكفى الإيراد ويزيد، ثم إنه سيتزوج فى شهر أغسطس القادم، سيكون سعيدا لو حصل على عمل يناسب مؤهله وكفاءته، ولكنه سيواصل عمله كسائق ميكروباص، إذا لم يتحقق ذلك، فكر يوما أن يبيع شقته، ويشترى ميكروباصا ليعمل عليه، ولكنه اقتنع برأى والد خطيبته، بأن يتزوج أولا فى الشقة، «وبعدين ربنا يفرجها».
ودعت السائق الشاب سعيدا منتشيا، لو لم أقابل هذا النموذج ما صدقت وجوده، هناك كثيرون مثله لا نراهم، وإذا رأيناهم لا نعرف حكاياتهم، لعل أقل ما يستحق صديقى السائق أن يحمل مقالى اسمه، لينوب عن أسماء كثيرة تستحق أن تتصدر العناوين.
شكرا محب ميلاد..

 

التعليقات