الأحد 19 أغسطس 2018 5:58 ص القاهرة القاهرة 25.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ترى تجربة نادي «بيراميدز» ستصب في مصلحة الكرة المصرية؟

الطائفة والمواطنة

نشر فى : الجمعة 19 يناير 2018 - 10:45 م | آخر تحديث : الجمعة 19 يناير 2018 - 10:45 م

«الطائفية» ظاهرة تاريخية اجتماعية تبلورت عبر ثلاث مراحل متباينة فى تاريخ بلاد الشام:

أولا: الطائفية المستقرة فى مرحلة «نظام الملل» العثمانى، حيث كانت الطقوس والعبادات التى يمارسها سكان الولايات العثمانية فى حياتهم اليومية مصونة، وفى حماية السلطة المركزية.

ثانيا: الطائفية المتفجرة التى انتعشت بفضل الدعم الخارجى للعصبيات المحلية، وذلك بهدف تفكيك السلطنة من الداخل، فى إطار مشروع استعمارى أوروبى قادته بريطانيا وفرنسا.

ثالثا: الطائفية المدمرة تحت تأثير عوامل داخلية وإقليمية وخارجية مساعدة. وعند انفجار النزاع تتحول مناطق بكاملها إلى بؤر للصراع الدموى، تؤدى بحياة آلاف المواطنين، وتدمر عشرات القرى، وتهجر آلاف الناس، وتتسبب بخراب اقتصادى واجتماعى ونفسى بالغ الخطورة.

من أهم تشريعات وقوانين الدولة العثمانية «قانون الطوائف» الذى ميز التنظيم السياسى العثمانى فى كل المساحات التابعة له، إلا أن الواقع يقول إن المصريين بطبعتهم ــ وفيما يختص بالأقباط فى هذه الصيغة يرفضون الصيغة الطائفية بصورتها العثمانية البغيضة.

وساهمت السياسات التى نفذها محمد على، أول من أدخل المصريين الجيش دون تمييز بين أبناء الشعب المصرى وساعد كل من سعيد وإسماعيل فى خلق الظروف المادية والفكرية لإعمال مبدأ المساواة والتغلب على مصطلح الطائفية وهو ما حدث فى الشام، فعملوا على إعادة صياغة التركيب الطبقى للمجتمع، أما فى مصر فكان الحضور سياسيا من خلال مشاركات المصريين جميعا دون تمييز فى مجلس شورى النواب. وتحضير الدولة والمجتمع إلى الانطلاق نضاليا من أجل تحقيق: الاستقلال الوطنى، وإقامة حكم ديمقراطى، واستكمال بناء الدولة الحديثة.

***

ورغم أنه كانت هناك محاولات نضالية وحركات حقوقية فى ذلك كثيرة لإلغاء «الطائفية» واستخدمها فى أى سياقات قانونية أو تشريعية، فإننا فوجئنا بأن هناك إصرارا على استخدام لفظ «الطائفة» فى قانون بناء الكنائس وقانون الأحول الشخصية الذى استخدم «الطوائف المسيحية» بدلا من الحديث عن قانون موحد للمصريين يتضمن قوانين فرعية لغير المسلمين.

وللكاتب المصرى سمير مرقص اجتهادات عظيمة من أجل تأكيد فكرة «المواطنة» عن «الطائفية»، ورفضنا كمصريين أقباط تقرير الحالة الدينية التى تصدره الولايات المتحدة الأمريكية كل سنة عن أحوال الأقباط فى مصر رفضا للتدخل الأجنبى فى شئوننا.

وقد حضرت منذ فترة مؤتمر لتكريم أحد رجال الدين الإنجيلى، فتردد لفظ «الطائفة» أكثر من مرة. فاحتججت على هذه الكلمة وصرحت بأنها كلمة بغيضة وبالفعل اعتذرت وزيرة السكان التى كانت ضمن حضور الحفل وقتها فبعد كلمتها فوجئت بمقدم الحفل يصر على استخدام كلمة «الطائفة» فانسحبت من هذا الحفل الذى يؤكد فكرة «الطائفة».

وأرى أن أى حديث يستعيد استخدام «الطائفية» يعد ارتدادا إلى ما قبل الدولة الحديثة. والسير فى مسار قانونى لا أظنه يعبر عن المسار الذى ارتضاه وناضل من أجله المصريون فى ثورات الكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية، وإنما يعد وكأنه إعادة تأسيس لسلطة الطوائف فى إطارات عثمانية جديدة لفظها المصريون تاريخيا.

وخاصة أن ظاهرة «الطائفية» فى لبنان والعراق دمرت أى توافق سياسى يؤدى أيضا إلى تفتيت وحدة الوطن الديموغرافية. حيث إن كل طائفية تريد امتيازا خاصا بها وهذا يشكل ارتباكا شديدا يؤدى إلى طريق مسدود فى اتجاه أى توافق سياسى.

***

لابد أن نسعى دوما وأبدا لاستخدام لفظ «المواطنة» ونسعى إلى تطبيقها كما نص عليها الدستور المصرى فنجد فى ديباجة الدستور المصرى كتب: «ثورة 25 يناير ــ 30 يونيو» التى دعت إلى العيش بحرية وكرامة إنسانية تحت ظلال العدالة الاجتماعية، واستعادت للوطن إرادته المستقلة. هذه الثورة امتداد لمسيرة نضال وطنى كان من أبرز رموزه أحمد عرابى، ومصطفى كامل، ومحمد فريد، وتتويج لثورتين عظيمتين فى تاريخنا الحديث: ثورة 1919 التى أزاحت الحماية البريطانية عن كاهل مصر والمصريين، وأرست مبدأ المواطنة والمساواة بين أبناء الجماعة الوطنية».

كما أرست المادة 19 الخاصة بالتعليم الآتى «التعليم حق لكل مواطن، هدفه بناء الشخصية المصرية، والحفاظ على الهوية الوطنية، وتأصيل المنهج العلمى فى التفكير، وتنمية المواهب وتشجيع الابتكار، وترسيخ القيم الحضارية والروحية، وإرساء مفاهيم المواطنة والتسامح وعدم التمييز، وتلتزم الدولة بمراعاة أهدافه فى مناهج التعليم ووسائله، وتوفيره وفقا لمعايير الجودة العالمى.

أى أن على الدولة بداية من مراحل التعليم للأطفال أن تسعى للحفاظ على الهوية المصرية وترسى مفاهيم المواطنة والتسامح وعدم التمييز وأن يستمر ذلك ليس فقط كلاما فى المناهج الدراسية بل تفعيلا وتنفيذا على كل المستويات فى الوظائف والتعيينات والمشاركة والمسئولية المجتمعية والانتخابات وكل المحافل الداخلية والخارجية التى تمارسها الأنظمة المصرية.

لأن ما يحدث هو أبعد كل البعد عن ما هو مكتوب فى الدستور المصرى، فبالرغم من كل الاحتفالات فى أعياد الأقباط ولكن سيظل التمييز ضد الأقباط واضحا ومطبقا ومفعلا فهم لا يتولون المناصب الكبرى والسيادية ولا نراهم رؤساء جامعات أو عمداء كليات وكثير وكثير من المناصب الأخرى. ولذلك مازلنا نطالب بتشريع قانون منع التمييز.

وبالمناسبة، نحن على أبواب احتفالات الأم المثالية سنجد أيضا التمييز واضحا ضد الأمهات الأقباط.. يجوز أنها أشياء صغيرة ولكنها تعبر تعبيرا جللا عن التمييز على أرض الواقع ضد الأقباط.

المواطنة ليست بالأحضان والزغاريد والتصفيق ولكن المواطنة بالممارسة الفعالة على أرض الواقع.

جورج إسحق  مسئول الاعلام بالامانة العامة للمدراس الكاثوليكية
التعليقات