السبت 23 سبتمبر 2017 7:46 ص القاهرة القاهرة 24.1°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في مقترح تعديل الدستور لزيادة الفترة الرئاسية إلى 6 سنوات؟

من الكابتن غزالى إلى مروان البرغوثى

نشر فى : الخميس 18 مايو 2017 - 10:20 م | آخر تحديث : الخميس 18 مايو 2017 - 10:20 م
قد يبدو عنوان المقال غريبا بعض الشىء بالنسبة للقارئ فما الذى يجمع بين الكابتن محمد غزالى رحمه الله بطل المقاومة الشعبية الأشهر فى مدينة السويس والمناضل الفلسطينى وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح مروان البرغوثى؟ بالنسبة لى أَجِد أنه بجانب أن الرجلين بطلان من أبطال المقاومة الوطنية ضد عدو واحد هو العدو الإسرائيلى، وأن كلا منهما تشبث بأرضه فلم يلتحق غزالى بقوافل المهاجرين من مدن القناة فى أعقاب النكسة بل ظل فى السويس حتى فارقها لمكان أفضل، ولم يحترف البرغوثى الجهاد من الخارج متمتعا برغد العيش فى هذا القطر العربى أو ذاك بل ظل فى الضفة الغربية ومنها اعتقل فى عام ٢٠٠٢ ولمدة خمسة عشر عاما بالتمام والكمال. أقول بالنسبة لى فإن الرجلين يقدمان نموذجا فريدا للمقاومة التى لا تلين والتى لا ترفع الراية البيضاء قط حتى وإن كانت أدواتها فى مواجهة المحتل عظاما مسنونة أو أمعاء خاوية، رجلان إن قلبا النظر حولهما فلم يجدا غير جسديهما يقدمانهما قربانا للحرية لم يتورعا عن أن يفعلا لتنطلق من إرادتيهما الصلبة إشارة التغيير.
***
بين كل أغانى فرقة «أولاد الأرض» التى شكلها الكابتن غزالى عام ١٩٦٧٧ أحدثت أغنيتها «فات الكتير يا بلدنا» دويا شعبيا هائلا، وبين كل أبيات هذه الأغنية الرائعة كان البيت الذى يقول «وعضم ولادنا نلمه نلمه نسنه نسنه ونعمل منه مدافع وندافع.. ونجيب النصر هدية لمصر» هو الأكثر عبقرية فى التعبير عن إرادة المقاومة. أغمض عينيك قليلا وتخيل المشهد الذى يرسمه هذا البيت الشعرى الفذ، عظام الشهداء المعطرة برائحة بطولاتهم الزكية تتحول إلى حراب مسنونة تصيب المحتل فى مقتل، ومن ذَا الذى يصنع تلك الحراب؟ نحن.. فأى شجاعة وأى صبر وأى إيمان هذا الذى يتلبس أرواحنا ونحن نجمع رفات أهلينا الإخوة والأبناء وأولاد العم لنحارب بها طلبا للنصر. عندما يفقد أى منا عزيزا لديه تراه يترفق به كل الرفق.. يلمسه برفق.. يتشمم رائحته برفق.. يقبله برفق كأنه حى أو كأن تعبيراتنا التلقائية المملوءة حبا وعرفانا وشوقا سوف تخدشه أو سوف تؤلمه، فما بالك وأنت تتخلى عن حذرك هذا لا بل تجمد مشاعرك تماما لتصنع من هؤلاء الأحبة سهاما ورماحا من أجل الوطن؟
***
لم يسهم فقط هذا البيت الفريد فى شحذ همة المقاومة عند أهالى السويس ولا مدن القناة كلها ولا مختلف أنحاء مصر فى السنوات الفاصلة ما بين الهزيمة والنصر، لكنه تحول إلى أيقونة فى كل حراك جماهيرى وكل غضبة شعبية. قيل هذا البيت وأهالى السويس يحملون شهداءهم على أكتافهم عندما كانت مقدمات ثورة يناير تنضج على نار هادئة وكثيرون ينسون أن الثورة بدأت من السويس، وقيل فى أمسيات الأيام الثمانية عشرة البديعة فى ميدان التحرير وما كان المنشدون يعرفون أى «عضم» سيُسن ليواجه زخات الرصاص فقد يكون «العضم عضمهم» هم أنفسهم فما المانع؟ انفصل البيت عن الظرف التاريخى الذى ألفه فيه الكابتن غزالى ورددته أجيال شابة فى مناسبات شتى، أجيال ربما سمعت محمد منير وهو يشدو بهذا البيت بكل وجدانه فيلهب المشاعر ويكاد يُنطِق الحجر، لكنها لم تعرف بالضرورة أن وراء البيت الشعرى هذه الروح الثورية العظيمة.
***
فى ٢ إبريل ٢٠١٧ مات الكابتن غزالى وفِى ١٧ إبريل أطلق المناضل مروان البرغوثى معركة الأمعاء الخاوية أو معركة الكرامة ضد الانتهاكات الوحشية لحقوق الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية. بدا لى انطلاق معركة البرغوثى فى الشهر نفسه الذى رحل فيه غزالى أمرا له دلالة رمزية كبيرة، بدا لى وكأن غزالى يسلم الراية إلى البرغوثى لتستمر مسيرة المقاومة. كل سجن هو معاناة وحرمان وقيد فما بالك بسجن حارسه محتل؟ أراد البرغوثى وإخوانه بإضرابهم عن الطعام على مدى شهر كامل أن يقولوا للعالم نحن هنا، قضيتنا حية وحقنا فى أرضنا لا يسقط بالتقادم. مخطئ من يتصور أن الهدف الوحيد لإضراب الأسرى الفلسطينيين هو تحسين وضعهم المعيشى، ربما كان هذا هو الهدف المباشر لكنه ليس هو الهدف المهم. أما الهدف الحقيقى والمهم فإنما هو لفت الانتباه إلى قضية الاحتلال الإسرائيلى كى لا نعتادها ونتعامل معها كمعطاة ونتجاوزها، فأشد أنواع الهزيمة اعتياد الانكسار.
***
ثلاثون يوما والمضربون كما هم على حالهم، يطلقون عليهم الكلاب المتوحشة فى محابسهم، يعزلونهم فى زنازين انفرادية ضيقة، يسكبون ماء الشرب فوق رءوسهم ويتركونهم بلا شربة ماء، يشوهون ويفبركون ويدعون أن قائد الإضراب يأكل الحلوى فى الخفاء ويضلل رفاقه. ثلاثون يوما والأمعاء الخاوية تتلوى جوعا، والهزال يصيب الأجسام الفتية فيزيغ النظرات ويذهب بريق العيون. ثلاثون يوما والسجان يعجب من هذه الإرادة وهو من تفزعه صفارة إنذار ويختبئ من هواجسه فى أنفاق محصنة. ثلاثون يوما وقد بدأ العالم ينتبه، وإشارات تضامنية تتوالى مع المضربين من هنا وهناك، أما الإشارة التى تخلع القلب فهى عندما يُضرب السياسى اللبنانى القومى الكبير سليم الحص عن الطعام دعما لمروان وإخوانه، الحص يقترب عمره من التسعين عاما فهل يقدر، هل يحتمل، هل يمكنه؟ لو أضرب عن ساعة دواء أو شراب فهذا يكفى ويفيض فالرسالة التى يبعث بها هى الأهم: لستم وحدكم.
***
بين غزالى والبرغوثى همزة وصل لا بل قناة اتصال، قناة يسرى فيها حب الوطن سريان الدم فى العروق. والله لن يغيب وعينا أبدا ما دام بيننا أمثالهما، ولن تختلط أوراقنا قط فى حضرتهما ورفاقهما وإن مورست معنا كل حيل الحواة وألاعيبهم، ستظل إسرائيل دولة احتلال، وسيظل وصف «المحتلة» يلحق باسم فلسطين الحبيبة حتى تحين ساعة التحرير، وسنظل نعلم ذلك لأبنائنا ونربيهم عليه.

 

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات