الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 11:13 م القاهرة القاهرة 15.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد إيقاف «شيرين» عن الغناء بعد واقعة «النيل»؟

تصويب الخطاب السياسى.. لا تجديد الخطاب الدينى

نشر فى : الإثنين 17 يوليو 2017 - 8:40 م | آخر تحديث : الإثنين 17 يوليو 2017 - 8:40 م
لقد بدأ الخطاب السياسى للثلاثين من يونية واعدا «مصر أم الدنيا وها تبقى أد الدنيا» كما تضمن البيان التأسيسى لها عبارة «الشعب لم يجد من يحنو عليه»، لكن شيئا فشيئا صار الخطاب محبطا. فبدأت تسوده عبارات من نوع «مصر تحتاج 25 سنة حتى تحقق الديمقراطية»، خصوصا أننا لم نخطُ خطوة حقيقية على طريق بناء الديمقراطية، التى كانت الشعار الأبرز لثورة يناير ومطلبها الأول. وكان الأجدى من البرنامج الرئاسى لتأهيل الشباب على القيادة، والمؤتمر الوطنى للشباب ذى الطابع الاحتفالى، فتح المجال أمام الشباب لخوض الانتخابات فى المجالس المحلية، التى تعتبر المدخل الحقيقى للديمقراطية فى العالم المتقدم. والتى يحتاج إليها النظام حاجة ماسة لتحقيق هدفين: الأول هو مواجهة الفساد المستشرى فى المحليات، ودون رقابة شعبية لا سبيل للقضاء عليه، والثانى هو إشراك الشباب وتدريبه تدريبا حقيقيا على العملية السياسية. 
كذلك كان تعبير أننا «شبه دولة» تعبيرا ملتبسا، يفهمه البعض على أن ذلك بسبب تغلغل الفساد فى بيروقراطية الدولة، لكن البعض الآخر سيفهمه على أنه تعريض بالشعب وإلقاء بالمسئولية عليه. كما أن من التعبيرات المحبطة دون تفسير «إحنا فقراء أوى». خصوصا مع ما نلاحظه من مظاهر الترف فى المولات وأماكن اللهو، والتفاوت الفاحش فى مستوى الدخول، والهدر الكبير فى موارد المجتمع، والأولويات غير المفهومة فى البرنامج الاقتصادى.
قد يكون لهذه العبارات ظل من حقيقة، وقد تكون مواجهة الشعب بالحقائق ضرورة. لكن من ضرورات السياسة أيضا إقناع الشعب بأهداف قيادته، والعقبات التى تواجهها، وكيف ستتغلب عليها، حتى يتحمل المشقة. خصوصا أن الرئيس طالب الشعب فى بعض أحاديثه قائلا «اسمعوا منى وما تسمعوش من حد تانى» وتلك العبارة يمكن أن تفهم على أن الرئيس يقصد أنه هو المصدر الدقيق للمعلومات، كما يمكن أن تفهم على أن الرئيس هو الصوت الوحيد المسموح به.
لا شك فى أن نشر الأمل وتبديد الإحباط هو من ضرورات النجاح السياسى واستمرار الشرعية. وهذا ما يخلو منه الخطاب السياسى. كأنما اكتفى الرئيس بالتفويض الذى طلبه وحصل عليه فى شهر يوليه 2013، لكن ذلك غير صائب من وجهة نظر العملية السياسية. فاستمرار الرضاء الشعبى رهن باستمرار قناعة الشعب، بأن القيادة تعمل لصالحه، والخطاب السياسى المدروس من ضرورات التواصل بين الحاكم والمحكوم. كما يجب ألا ننسى أن الشعب المصرى خرج على حكم الإخوان بسبب الإعلان الدستورى، الذى يحصن قرارات رئيس الجمهورية من أى مراجعة قانونية دون مبرر مقنع، خصوصا مع الفشل فى تلبية احتياجات الشعب الضرورية.
فلابد من تمهيد وشرح منطقى للسياسات والخطط والقرارات، أمام هذا التضخم الجامح وغير المسبوق، والإجراءات الاقتصادية شديدة القسوة على أغلب طبقات المجتمع. وإزاء قرارات من نوع التخلى عن تيران وصنافير، والتى يعتبرها قطاعا واسعا من المجتمع تخلى عن جزء من إقليم الدولة. 
فى ظنى أن ما يلح عليه الخطاب العام، من أولوية لتجديد الخطاب الدينى، لا يعد نقطة البدء فى الإصلاح، ولا هو السبب الأساسى فى انتشار الحركات الدينية المتطرفة، فالقضاء على الفقر والبطالة هو الأساس فى ذلك. والإصلاح يبدأ ببساطة بالعودة للتنمية الشاملة التى تقوم على التوسع فى الصناعة والزراعة والتشغيل، وهذا ما يسهم فى تنمية بشرية حقيقية وغير ذلك شعارات غير مجدية.
فقد تخلت البلاد عن مسيرة التنمية مع مطلع السبعينيات، وتوقفت عن خطط الصيانة والإحلال والتجديد فى الصناعة وغضت الطرف عن تجريف الأرض الزراعية والبناء عليها، مما أدى إلى تدهور الإنتاج. وهذا فى الوقت الذى تدفقت على مصر كتلة نقدية ضخمة من البترودولار، تمثلت فى تحويلات العاملين فى الخارج والدخل من قناة السويس والبترول والسياحة، بجانب المساعدات الاقتصادية التى حصلت عليها مصر من دول الخليج. وقد شبهها وقتها الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين، بسحابة مثقلة بالمطر مرت بسمائنا لكنها أمطرت خارج حدودنا. والأسوأ من ذلك أنها صارت نقمة بدلا من أن تكون نعمة. لأنها سببت تضخما جامحا بسبب تدهور انتاجنا، ودينا ثقيلا بسبب التوسع فى الواردات. مما أدى إلى كل ما نعانيه من أمراض حتى يومنا هذا.
***
إن الفساد الذى استشرى، نجم عن أن ذوى الدخل الثابت (أجور ــ إيجار) عجزوا عن مواجهة مستويات الأسعار المتزايدة، فلم يكن أمامهم سوى حل من ثلاثة:
الأول هو البحث عن عمل إضافى بما يعنيه ذلك من الإهمال فى أحدهما أو كليهما، بجانب غياب رب الأسرة وما يترتب على ذلك من مشاكل اجتماعية. 
الثانى هو الهجرة إلى إحدى دول النفط فترتب عليه خسارة البلاد لكوادرها الماهرة بدءا من الأسطوات فى جميع الحرف، إلى أبرز أساتذة الجامعات، ففقد التعليم والتدريب قوته الأساسية.
الثالث هو فتح الدرج، وهنا تتلاشى سيادة القانون، وتتصف الدولة بكل الملامح التى حددها الاقتصادى السويدى جونار ميردال للدولة الرخوة soft state.
عندما تحولت مصر إلى دولة ريعية، ولم يصبح للعمل قيمته المادية والمعنوية، وأصبح التظاهر بالعمل (الفهلوة) هو الفائز، اختلت القيم أمام الناشئة، وأصبحوا أمام أحد خيارين إما التهريج أو التطرف. فما هى حيلة الخطاب الدينى إزاء ذلك؟ أقصى ما يمكن المناداة به فى هذا الشأن، هو تطوير التعليم الدينى ضمن تطوير منظومة التعليم عامة، وتثقيف الدعاة بعلوم العصر وقضاياه، والتعامل مع مؤسسة الأزهر كمؤسسة علمية وعدم الزج بها فى السياسة.
فى ظل أوضاعنا الحالية يساهم الخطاب ــ الذى لا ينشر الأمل، وإهمال المشاركة السياسية للمجتمع المدنى ــ فى صب الزيت على النار، ويعرض البلاد لمخاطر سياسية حقيقية. خصوصا أن ما اصطلح على تسميته بالإرهاب توضع خططه فى عواصم كبرى، وتدعمه قوى إقليمية متربصة، لا قبل لقيادة سياسية على مواجهتها بمفردها دون دعم شعبى واعٍ وقوى.

 

حسنى كحلة باحث في الاقتصاد السياسي للعلاقات الدولية
التعليقات