الإثنين 18 يونيو 2018 12:01 ص القاهرة القاهرة 28.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد الإعلان عن أسعار الكهرباء الجديدة.. كيف تراها؟

يا سيات الريس.. يا سيات الريس!

نشر فى : السبت 17 فبراير 2018 - 10:30 م | آخر تحديث : السبت 17 فبراير 2018 - 10:30 م

الصورة تهتز. قاعة محكمة. يتحرك جنديان بصعوبة وهما يحملان كرسيا يجلس عليه شاب نحيل. تتدلى من خصر كل منهما عصا طويلة من عصي محاربة الشغب. يضعان الكرسي أمام القاضي. رأس الشاب ملتوية على صدره. العينان زائغتان. القاضي يسأل: ما بتقدرش تقوم؟ لا نسمع إجابة واضحة.

يرتفع صوت من الخلفية على الأغلب للمحامي. يدور حوار غير واضح بينما تقترب الكاميرا المهتزة من الشاب الذي يجلس مرتديا ملابس السجن البيضاء. الأطراف الأربعة ملتوية ومتدلية بشكل واضح. الظهر محني والصدر يخفق في إجهاد بالغ. يعلو صوته: يا سيات الريس.. يا سيات الريس.. لا يسمعه أحد.

يسكت ربما بسبب الألم أو اليأس.

يقترب الجندي الذي شارك في حمله منذ لحظات من الكرسي. تتحرك يده بهدوء وبشكل لا إرادي. يضعها في حنان مسروق على ظهر الشاب الذي بدا متألما زائغ العينين مجهدا. يعلو الصوت مجددا: يا سيات الريس.

يتجاهله الجميع.

تتحرك كف الجندي على كتفه في تربيتة خفيفة حانية لا تكاد تلحظ.

يا سيات الريس..

ستون ثانية من الألم والرجاء. لا يحصل المشلول المتهم على أخلاء سبيل فيحمله الجنديان ليعودا به إلى زنزانة قضى فيها السنوات الثلاثة الماضية. أتأمل مصدر الفيديو على يوتيوب. ليست جهة إخوانية أو قناة معارضة. الفيديو منشور في قناة تابعة لصحيفة الوطن الموالية. التقطه صحفي اسمه مصطفى محمد.

أقرأ الوثائق التي أرسلها لي الصديق الشاعر السكندري عمر حاذق. اكتب له على المسنجر:
- عمر.. أنا مش مصدق.

يأتيني الرد:
- يا سمسم الناس بتتلم عشوائي. أنا شفت كتير في السجن.

أفكر لحظة في الشاعر النبيل الذي سجن وفصل من عمله في مكتبة الأسكندرية ظلما ورغم هذا كله قرر بمجرد إطلاق سراحه أن يكرس وقته للتعريف بالمظلومين خلف القضبان رغم ما يجلبه ذلك عليه من ضرر وتضييق في الرزق.

أعود لقراءة ما أرسله من وثائق عن أسامة سيد حسين. المقعد الذي شلت أطرافه الأربعة بعد اعتداء في حادث سرقة بالإكراه عام ٢٠٠٥. في العام ذاته تستخرج أمه الفقيرة بطاقة هوية لذوي الاحتياجات الخاصة من هيئة الشؤون الاجتماعية بمحافظة القليوبية. تدفعه أمامها على كرسيه المتحرك وتدور به على مصالح الحكومة والمعاشات لتأمين جانب من الرزق الذي فقدوه بعد عجزه عن العمل.

في يناير ٢٠١٥ تأخذه إلى مستشفي المطرية لتوقيع كشف طبي واستخراج شهادة تأمل في أن تساعده في الحصول على وظيفة من النسبة الحكومية المخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة. تتفجر أحداث ميدان المطرية أثناء وجوده في المستشفى وتقتحم قوة من الشرطة المكان بحثا عن متظاهرين. يعثرون على أسامة مقعدا فيحملوه بكرسيه المتحرك. منذ تلك اللحظة يتحول أسامة الذي يعاني من كسر في فقرات العنق وشلل في أطرافه الأربعة من ضحية إلى بلطجي متهم بـ "الشغب وترويع المواطنين".

في اكتوبر 2016 تستجيب مصلحة الطب الشرعي لطلب من نيابة أمن الدولة العليا فتكتب تقريرا لا لبس فيه. "المذكور يعاني من إصابة نارية بالعنق أدت إلى كسر بالفقرة السابعة العنقية وضعف بالأطراف العلوية والسفلية في تاريخ يتفق والأوراق الطبية في ٢٤ مايو ٢٠٠٥. المذكور يعاني حاليا من حالة إصابية عبارة عن كسر بالفقرة السابعة العنقية أدت إلى شلل بالأطراف العلوية والسفلية."

أكثر من ثلاث سنوات يعرض فيها على المحاكم ولا يصدر قرار بتبرئته إو إطلاق سراحه. تدور خلفه أمه وأخوه ولا يرى أحد بأسا في إلقاء مشلول خلف القضبان بتهمة لا تصدق.

أعود لتأمل الفيديو والصور. هزاله واضح. أتساءل عمن يطعمه أو يحمله لقضاء حاجته. ولا أفهم كيف يتمكن كل من يعرفون بهذه القضية أو يتعاملون معها من النوم. ولكنني أعرف أن هذا الجندي الفقير الذي يقف بجواره يشعر به ويحنو عليه.

أعيد تشغيل الفيديو. يخرج النفس من صدر أسامة المشلول بصعوبة: يا سيات الريس.. يا سيات الريس..

لا يسمعه أحد.. اتأمل مجددا تلك التربيتة المختلسة الحانية من يد المجند على كتف. لسبب ما أبكي.

أبكي كما لم أبك من قبل.

فقراء يحملون فقراء يظلمون فقراء وربما يقتلون فقراء.

ما أوقح الألم والعجز والظلم.

يا سيات الريس..

(الفيديو والوثائق: bit.ly/yarays)

التعليقات