الأحد 21 أكتوبر 2018 1:26 م القاهرة القاهرة 32.1°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع عودة رحلات الطيران الروسي إلى مطاري شرم الشيخ والغردقة قريباً؟

أزمة الصحافة المصرية ومستقبلها

نشر فى : الأربعاء 13 يونيو 2018 - 9:20 م | آخر تحديث : الأربعاء 13 يونيو 2018 - 9:20 م

مهنة الصحافة مسألة حرية.
حين تتقلص قدرتها عن التعبير بحرية عن حقائق مجتمعها وما يجرى فيه من أحداث وتحولات تفقد صدقيتها وتأثيرها ويتراجع توزيعها حتى يكاد يندثر.
أخطر ما ينطوى عليه قانون الصحافة والإعلام الجديد خنق المهنة فى صلب أدوارها الطبيعية حيث تحكم القبضة على رقبتها.
بنص الدستور: «تلتزم الدولة بضمان استقلال المؤسسات الصحفية ووسائل الإعلام المملوكة لها، بما يكفل حيادها، وتعبيرها عن كل الآراء والاتجاهات السياسية والفكرية والمصالح الاجتماعية ويضمن المساواة وتكافؤ الفرص فى مخاطبة الرأى العام».
استقلال المؤسسات الصحفية قضية دستورية أولى فى أى نظر لمستقبل المهنة.
إذا قوضت أى فرصة لاستقلالها فإن مصير الصحف والمجلات المصرية المملوكة للدولة، كـ«الأهرام» و«أخبار اليوم» و«الجمهورية» و«روزاليوسف» و«دار الهلال»، إلى زوال مؤكد.
القانون الجديد يتعامل مع المؤسسات الصحفية الكبرى كشركات تجارية يترأسها ويديرها جميعا رجل واحد هو رئيس «الهيئة الوطنية للصحافة»، الذى يعينه رئيس الجمهورية، كما يقلص تمثيل الصحفيين فى إدارتها إلى حدود التهميش على عكس ما هو جار حاليا.
هكذا تغيب أى أصوات من داخل المؤسسات تقترح وتراقب أى إجراءات تخص مستقبل صحفييها مثل «الخصخصة المقترحة».
المفارقة الكبرى فى المشهد الإعلامى المصرى التوجه لخصخصة الصحف المملوكة للدولة والتأميم شبه المعلن للفضائيات الخاصة.
إذا كان هناك من يطلب ذلك النوع من التأميم فبأى منطق يذهب إلى خصخصة المؤسسات الصحفية، أو تصفيتها بصورة أو أخرى؟
وإذا كان هناك من يستحوذ باسم الدولة على صحف خاصة فكيف يفرط فى صحف عامة تمتلك أصولا تمكنها إذا ما أحسن إدارتها أن تنهض من جديد؟
جزء أساسى من أزمة القانون غياب المنطق فى إدارة أزمات المؤسسات الصحفية وديونها المتراكمة، التى تعجزها فى حالات عديدة عن الوفاء برواتب صحفييها.
ما هو المطلوب بالضبط؟
لا تجد أحدا يجيب بإقناع، أو يتحدث باقتناع!
حجم الأزمة لا يسمح بعشوائية الأداء.
قبل ثورة «يناير» ولسنوات طويلة أسندت مسئولية ملكية المؤسسات الصحفية للغرفة التشريعية الثانية «مجلس الشورى»، وكانت بدعة لا مثيل لها فى العالم، لكنه لم يكن يضطلع بأدوار حقيقية وتحولت المؤسسات إلى إقطاعيات فاقمت من أزماتها.
كانت فكرة استقلال تلك المؤسسات محاولة أخيرة لإنقاذها ويبدو أن هذه المحاولة تتبدد الآن بنفى صفتها الصحفية وإخضاعها لقبضة واحدة خلف ستار تمنح وتمنع، تعاقب وتكافئ، تقرر من تمد له حتى سن الخامسة والستين ومن تحيله إلى التقاعد مبكرا.
حياد المؤسسات الصحفية المملوكة للدولة قضية دستورية ثانية تستدعى تأكيدها فى القوانين والقواعد لا إلحاقها بما تطلبه السلطات العامة دون قدرة على نقاش، أو مساحة لاجتهاد.
لا توجد صحافة تقدر على مهامها الأساسية فى إخبار القراء بما يحدث فى مجتمعهم وإقليمهم وعالمهم، أو تداول الآراء، بلا مساحة تنفس.. ولا منافسة ممكنة بين مدارس صحفية مختلفة إذا كانت مجبرة على اتباع كتالوج واحد يحدد ما ينشر وما لا ينشر يوما بيوم.
المدارس الصحفية لا تنشأ إلا فى بيئة صحية تسمح للأفضل أن يتقدم وللجديد أن يكشف عن نفسه وللمنافسة أن تأخذ مداها.
إذا لم يوقف القانون قبل إنفاذه فإنه يصعب التعويل على أى إنقاذ ممكن للصحافة المصرية التى تآكلت مستويات توزيعها إلى حدود مرعبة.
ما يوزع من صحف ومجلات مصرية مجتمعة اليوم أقل مما كانت توزعه صحيفة واحدة فى سنوات قريبة سابقة.
الأرقام مخجلة بالنسبة لبلد عريق بحجم مصر.
التدهور التوزيعى وصل فى بعض الحالات إلى مئات النسخ بما فيها الاشتراكات!
قرب نهاية أربعينيات القرن الماضى تجاوز توزيع العدد الأول من صحيفة «آخبار اليوم» المائة ألف نسخة فيما كان عدد السكان نحو (١٨) مليونا، والرقم تجاوز المليون نسخة فى الستينيات والسبعينيات فيما كان عدد السكان أقل من ثلاثين مليونا.
فى التوقيت نفسه تجاوز العدد الأسبوعى لصحيفة «الأهرام» المليون نسخة.
كان هناك ما يقرأ فى الصحف ويستحق المتابعة رغم ما هو منسوب للستينيات من تضييق على الحريات الصحفية.
لا يحتمل العصر الحالى سوى إجابة واحدة على سؤال حرية الصحافة.
أى كلام آخر فهو تهويم فى الفراغ.
السؤال الذى يجب أن نواجهه باستقامة: لماذا انهار التوزيع الإجمالى للصحف المصرية الآن إلى نحو ثلث ما كانت توزعه صحيفة واحدة فيما زاد عدد السكان ثلاثة أضعاف على الأقل؟
هناك إجابات عديدة أهمها انتشار الصحافة الإلكترونية ودور شبكات التواصل الاجتماعى فى عالم ما بعد ثورة الاتصالات.
غير أن تلك الإجابة تقصر عن تفسير ذلك التدهور المرعب فى مستويات التوزيع.
فى ظل ثورة المعلومات، التى صاحبت «يناير» و«يونيو»، زاد توزيع الصحف إلى مستويات قياسية.
بقدر القلق على المستقبل ومساحة الثقة العامة فيما تنشره الصحف من أنباء وآراء وتحليلات ومواقف ارتفع منسوب تأثيرها.
ثم لا يجب أن ننسى مدى النجاح الذى حققته تجارب صحفية غربية عديدة أمام التحديات الجديدة برفع مستويات توزيعها على عكس الاتجاه السائد.
ماذا لديك لتقوله غير الذى تقرأه على شبكات التواصل الاجتماعى، أو تشاهده على شاشات الفضائيات؟، هذه قضية الصحافة وتحديها الرئيسى الآن.
القضية تتعلق بمدى حريات التفكير والإبداع والحق فى الاختلاف والتنوع، فإذا غابت لا يتبقى أمام الصحافة غير أن تدفن فى مقابر الصدقة.
القضية الدستورية الثالثة والأهم فى أى حديث عن مستقبل الصحافة هو مدى اضطلاعها بالتعبير عن كل الآراء والاتجاهات السياسية والفكرية والمصالح الاجتماعية، وقدر ما توفره من مساواة وتكافؤ فرص فى مخاطبة الرأى العام باعتبار أن الصحافة المملوكة للدولة تخص جميع المواطنين وكل القوى والتيارات السياسية والفكرية.
هذه مسألة تخص المجتمع كله لا الصحفيين وحدهم.
التوجه القانونى للتضييق غير خافٍ بينما توسيع الحريات الصحفية وتأكيدها روح الدستور.
بعبارات فضفاضة وغير منضبطة يكاد يخضع القانون كل ما ينشر للعقاب بالتأويل كأن يقال إنه ينطوى على «أخبار كاذبة»، أو يحرض على مخالفة القانون، إذا ما خالف الرواية الرسمية.
الأسوأ أنه يلزم بأحكامه «كل موقع الكترونى شخصى أو مدونة إلكترونية شخصية، أو حساب الكترونى شخصى يبلغ عدد متابعيه خمسة آلاف متابع أو أكثر».. و«يكون للمجلس الأعلى للإعلام وقف أو حجب الموقع أو المدونة أو الحساب المشار إليه بقرار منه».
ذلك يناقض الالتزام الدستورى بـ«حماية حق المواطنين فى استخدام وسائل الاتصال العامة بكل أشكالها، ولا يجوز تعطيلها أو وقفها أو حرمان المواطنين منها بشكل تعسفى».
بالتعسف فإن كل نقد مؤامرة وكل اختلاف يستدعى العقاب.
التعسف يقوض أى فرصة للتماسك الوطنى فى أوقات صعبة تضيق فيها الصدور.
صحافة الصوت الواحد خطر حقيقى على التماسك الضرورى لسلامة أى بلد.
التماسك قضية حوار والحوار قضية حرية وحرية الصحافة درة الحريات العامة وعنوانها الأول.