الأربعاء 23 مايو 2018 9:26 ص القاهرة القاهرة 32.4°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ترى أن دمج وتحالف الأحزاب سيفيد في انتعاش المشهد والحياة السياسية في مصر؟

محو العصبية قبل محو الأمية

نشر فى : الإثنين 12 فبراير 2018 - 10:55 م | آخر تحديث : الإثنين 12 فبراير 2018 - 10:55 م

نشرت مؤسسة الفكر العربى مقالا للكاتبة «رفيف رضا صيداوى»، والذى يتناول موضوع محو العصبية فى مجتمعاتنا العربية والذى يأتى كضرورة قبل محو الأمية، إذ ماذا ينفع أن يكون المجتمع متعلما فى حين أن سلوكه الحياتى متخلف ورجعى؟، وتناقش الكاتبة السؤال الذى طرحه الباحث اللبنانى فردريك معتوق فى كتابه «صدام العصبيات العربية»، الصادر حديثا عن منتدى المعارف فى بيروت، من ضمن سلسلة اجتماعيات عربية.

استهلت الكاتبة حديثها بالإشارة إلى أن مفهوم العصبية حاز ــ ولا يزال ــ على اهتمام المفكرين والباحثين العرب والأجانب، ذلك أن العصبية شكلت الرابطة الأولى التى عاضدت الكائن البشرى منذ ظهوره على الأرض، بوصفها رابطة دم تَجمع أهل العَصَبَة الواحدة، وتشكِل ظاهرة إنسانية كَونية، تدخل فى صُلْبِ اهتمام العلوم الإنسانية المُعاصرة. وإذ اشتهر ابن خلدون بمُقارَبة مسألة العصبية فى المجتمع القبلى الإسلامى مقاربة ديالكتيكية جدلية بعبارات اليوم، مُحدِثا بذلك ثورة منهجية فى النظرة إلى التاريخ، وممثِلا أيضا على حد تعبير المفكر على أومليل بـ«أنه جعل التاريخ خبرا عن الاجتماع الإنسانى الذى هو عمران العالَم ــ أى تاريخ هذا العمران نفسه ــ والذى يقضى من جهة بوجود وازع يدفع البشر بعضَهم عن بعض، فيكون ذلك الوازع واحدا منهم، يكون له عليهِم الغَلَبةُ والسلطانُ واليدُ القاهرةُ؛ حتى لا يصلَ أحدٌ إلى غيره بعدوانٍ؛ وهذا هو معنى المُلك». كما يقضى هذا العمران أو اجتماع البشر من جهة ثانية، بوجود العصبية، لأن الوجودَ وحياةَ البشر قد تَتِمُ «بما يَفرِضُهُ الحاكِمُ لنفسه، أو بالعصبيةِ التى يقتدرُ بها على قَهْرِهِم وحَمْلِهِم على جادَته». فالمُلك والعصبية، والتغلب والدولة، مفاهيم مترابطة من ضمن نظرية ابن خلدون فى العمران وقوانينه، بحيث يحصل المُلك بالتغلب، ولا يقوم هذا المُلك والدولة إلا «بالقَبيل والعصبية» و«التعصب للنسب»؛ لأن العصبية إنما تكون بالالتحام بالنسب والشرف والدين.

ما يعنى أن ثورة ابن خلدون المعرفية والمنهجية فى دراسة التاريخ أفضت إلى أن يصبح العمران البشرى هو الموضوع الجديد لعِلم التاريخ، على «أساس واقعة اجتماعية، كانت طاغية ملموسة فيعصره، واقعة الرابطة العصبية».

***

هكذا، استند فردريك معتوق فى كِتابه الجديد إلى مفهوم العصبية الخلدونى، ليس من منطلق إعادة قراءة هذا الفيلسوف بعَين الحاضر، وما يستتبع ذلك من إسقاطٍ للماضى على الحاضر، بل للتأسيس على جدلية الصراع العصبى الخلدونية كقوة محركة للأحداث والتاريخ، من دون أن تكون العصبية تلك عند معتوق ذات بُعد قبلى أو بدوى، لكونها من منظوره السوسيو ــ معرفى «بنية من آليات التفكير والتخطيط والسلوك، لا مجرد حالة تاريخية مضى عليها الزمن فتخطاها المدلول»، ولكون العصبية أيضا مفهوما «تركيبيا» و«ذهنيا» قابلا «لإخضاع نفسه لعمليات إعادة هيكلة بحسب الحاجة الموضوعية للجماعة التى تعتمده»، فضلا عن تمتعه «بمرونة بنيوية، بقائية (…) تسمح له، بل تفرض عليه، التآلف الدائم مع كل جديد». فلو كان معتوق قد ماثل أو طابق مُماثَلة أو مُطابقة ميكانيكية بين الماضى والحاضر بالاستناد إلى جدلية العصبية عند ابن خلدون فحسب، لما كان التقط التواصل القائم بين البنية المعرفية فى القرن الرابع عشر الميلادى وتلك القائمة اليوم. حيث إن العصبية ببُعدها القبلى لدى ابن خلدون مُعزَزة بالبداوة، ووجود البدو متقدم على وجود المُدن والأمصار وأصلٌ لها، بما أن وجود المُدن والأمصار من عوائدِ الترفِ والدَعَةِ، وحيث إن عمر الدولة مشروط بقوة العصبية: لا يعدو عمر الدول فى الغالب الأجيال الثلاثة على حد تعبير ابن خلدون، يكون الجيل الأول فيها على خلق البداوة وخشونتها وتوحشها… فيما يتحول الجيل الثانى من البداوة إلى الحضارة ومن الشَظف إلى الترف… فتتكسر سَورة العصبية بعض الشىء.. أما الجيل الثالث فينسى عهد البداوة والخشونة ويفقد حلاوة العز والعصبية… ويبلغ الترف غاياته… وتسقط العصبية بالجملة. فى حين أن مجتمعاتنا اليوم بلغت شوطا فى الحضارة تبطل معه نظرية العصبية الخلدونية المحركة للتاريخ. لكن مقاربة العصبية كمنظومة فكرية حية ومتحركة، سمحت لمعتوق باختبارها سوسيولوجيا، والنفاذ إلى جوهرها مُماثِلا بين رجال العصبية فى البنى القبلية التقليدية ورجالات اليوم وهُم: أصحاب الشوكة فى العشائر، أصحاب الكلمة فى العائلات السياسية، رؤساء الأحزاب الطائفية، أرباب الطوائف الدينية ورموزها، لكونهم كلهم أصحاب قرار فى بيئاتهم.

• لبنان كحقل اختبارٍ سوسيولوجى

وأضافت الكاتبة أنه بعد قيامه بتأصيل مفهوم العصبية إبيستمولوجيا والكشف عن موقعه فى تاريخ البنية المعرفية البشرية، درس معتوق العصبية سوسيولوجيا، كاشفا وموضِحا أبعادها فى الثقافة العربية الماضية والحاضرة، فضلا عن ديمومتها فى الواقع الاجتماعى اللبنانى والعربى العام ومقاومتها للتغيير الفكرى والثقافى، مرتكزا بذلك على تجلياتها الميدانية فى الفضاء العربى عامة واللبنانى خاصة الذى شكل حقل اختبار عبر بحثَين سوسيولوجيَين قاما فى مدينة طرابلس، أحدهما للباحث الفرنسى ميشال سورا، وُضع فى منتصف ثمانينيات القرن الماضى، والثانى للمؤلف نفسه أى فردريك معتوق، أُنجز سنة 2016. وما نجاحه فى الذهاب هذا المذهب إلا لكونه درس العصبية كتعبيرٍ عن حالة اجتماعية زمنية متحولة وليس انطلاقا من كونها مفهوما ساكنا. وهو ما أتاح له رصد تغير العصبية زمنيا بفعل التطور الاجتماعى الذى طاول مرتكزاتها، وما نتج عن ذلك من إخفاقٍ فى التغلب على «الهابيتوس» العصبى الكامن فى المجتمعات العربية كافة، وفى مختلف نخبها المُفترض أنها نخبٌ غير تقليدية، مثل القوى والأحزاب الاشتراكية والشيوعية والقومية والتقدمية…إلخ.

يستند معتوق إلى ما بينه ابن خلدون فى «أن استدراج العقيدة الدينية إلى حلبة الصراع السياسى جاء نفعيا وعصبيا على حد سواء، حيث كانت تتعامل القبائل مع المسألة الدينية كمتغيرٍ تابعٍ لقرارها لا كمتغيرٍ مستقل». أما فى مجتمعاتنا المُعاصرة، فقد «تحضَرت العَصَبَةُ وتَعصْرَنت، وبات مظهرها العصبى الحالى يكاد لا يوحى بوجودها. غير أن تمويه العصبيات جعلها أكثر استبطانا لجوهرها وأكثر مكرا فى تعاملها مع الآخر، حيث تحاول أن تخفى انتماءها العضوى الدفين؛ خصوصا عندما يتعلق الأمر بالأحزاب السياسية الطائفية التى يحاول قادتها ومسئولوها رفع سقف الكلام «الديمقراطى» و«التقدمى»، تمويها لخيارهم العصبى الجوهرى.

ولئن كان دَور العصبية يتمحور «حول بناء هويتها الخاصة والمستقلة كما فى المحافظة عليها نقية وصافية وسرمدية»، فإن وظيفتها الأولى هى صناعة العدو لأن هذه الصناعة هى التى تعزز هذا الدَور بشكلٍ رئيس. وقد بينت المقابلات الميدانية فى بحث فردريك معتوق، السابق ذكره والعائد إلى العام 2016، كيف نجحت العصبية فى لبنان فى إنجاز دَورِها هذا عبر: تعزيز انطواء الجماعة على نفسها، منع تبلور المُعارضات الداخلية، تشييد جنة العصبية، عسْكَرة تفكير أهل العصبة. ولئن برزت تجليات هذا الدور من خلال البحثَين السوسيولوجيَين الميدانيين، فلأن هذه التجليات أظهرتها طرائق تفكير الجماعات الطائفية فى لبنان، التى تدعمها أو تغذيها العصبية الخلدونية المستندة إلى ثلاثية الوظيفة الخلدونية، أى «النعرة، والتذامر، والاستماتة»؛ فداعش مثلا فى الحالة العربية هى أقصى ما يمكن أن تبلغه عصبية لكونها صاحبة مشروع سياسى يقوم على نظرية دينية ومذهبية، وقد استولت على السلطة بالغُلب، وبالاستناد إلى النعرة (المذهبية) والتذامر (الدينى) والاستماتة (العسكرية).

ففى مُعادلة الغُلب المتحركة لابن خلدون، بإمكان العصبية، كرابطة رحم ودم، «أن تحوِل هذه الرابطة إلى رابطة دم ودين عندما ترى مصلحة سياسية لها فى الأمر. كما بإمكانها خلع هذه الصيغة عنها عندما تشاء» لأن العصبية لا تتوقف عن اعتبار نفسها هى الأصل وهى صاحبة القرار.

العصبية فى لبنان تقوم فى الوقت الراهن على انتماء دينى ومذهبى، والعصبية المذهبية هذه أشد قوة وتجذرا من العصبية الدينية لكونها تستفيد من روابط الدم والدين والمذهب، فيما تستفيد العصبية الدينية من الرابطَين الأولَين فقط (أى الدم والدين). وبموازاة دولة المُلك الخلدونية الناتجة عن تغلب عصبية على أخرى وبلوغها السلطة، «فيما تلك التى هى خارج الحُكم تنتظر اللحظة المُناسبة للحلول مكانها»، فإن دولة العصبية المُعاصرة والراهنة فى الشرق الأوسط والعالَم العربى تقوم على مكونات عصبية يكون العقد الاجتماعى فيها محكوما بقانون الغُلب العصبى، أو بمُعادَلة اللاغالب واللامغلوب، ما يشكل تهديدا دائما للدولة.

****

ختاما، إن العصبية ما زالت حية وكامنة فى مجتمعاتِنا، لا بل إنها تعيق كل عملية تغيير فكرى وثقافى حقيقى، وإن دراسة فردريك معتوق لم تعمل على تقصى تلك العصبية ومعالِمها وطبيعتِها فحسب، بل أشارت إلى «تمدُدِها الجذمورى» Rhizomatic فى مناحى الحياة السياسية والاجتماعية كلها، من تقليدية أو مُستحدَثة؛ حيث يحيل مصطلح «جذمورى» إلى نموذجٍ وصفى وإبستيمولوجى فى الفلسفة والعلوم الاجتماعية، لا يخضع تنظيم العناصر فيه لأى تراتبية أو لتبعية أى عنصر للآخر، بل تتمدد العناصر جذموريا مثل الأعشاب وباتجاهات متعددة وتنبت بنفسها من دون حاجة إلى يد تنقلها. ومن هنا دعوة المؤلف إلى محو العصبية قبل محو الأمية كبنْدٍ أساس من بنود تشكيل «أنموذج إرشادى جديد».

النص الأصلى: 

التعليقات