الجمعة 20 أكتوبر 2017 5:25 ص القاهرة القاهرة 20.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في مقترح تعديل الدستور لزيادة الفترة الرئاسية إلى 6 سنوات؟

الانفتاح الوهابى

نشر فى : الأربعاء 11 أكتوبر 2017 - 9:10 م | آخر تحديث : الأربعاء 11 أكتوبر 2017 - 9:10 م
منذ أعوام قليلة شاركت فى مناسبة ثقافية حول قبول الإسلام للتعددية والاختلاف واستشهدت بالآية الكريمة: «وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَة وَاحِدَة « (المائدة: 48 )، ولكنه – سبحانه – أراد أن يجعلنا شعوبا وقبائل لنتعارف وأراد بهذا الاختلاف إعمار الأرض «وَلَوْلا دَفْعُ اللَهِ النَاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ» (أى التنافس) «لَفَسَدَتِ الأَرْضُ» (البقرة: 251 )، وأنه «لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَة وَمِنْهَاجا» (المائدة: 48) أى لكل أمة شريعة معينة ومنهج خاص بها، وفى آية أخرى: « لِكُلِّ أُمَةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ» (الحج: 67)، إذن فالرب واحد والشرائع والمناسك والعبادات والمناهج مختلفة.
عاتبنى الأصدقاء السعوديون على ذلك وقالوا غاضبين: «إِنَ الدِينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ» (آل عمران: 19)، «وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينا فَلَن يُقْبَلَ مِنْه وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ» (آل عمران: 85)، ولم يقبلوا قولى أن كلمة الإسلام فى القرآن لا تعنى الديانة المحمدية فقط بل كل الديانات السماوية التى اصطلح على تسميتها بالإبراهيمية نسبة إلى سيدنا إبراهيم.
فالقرآن الكريم يشير إلى جميع الرسل بأنهم مسلمون: «مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيا وَلَكِن كَانَ حَنِيفا مُسْلِمًا» (آل عمران: 67)، وقول النبى يوسف: «تَوَفَنِى مُسْلِما وَأَلْحِقْنِى بِالصَالِحِينَ» (يوسف: 101).
وعشرات الآيات التى تشير إلى جميع الرسل والأنبياء بأنهم مسلمون مثل «وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِىَ إِنَ اللَهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَ وَأَنتُم مُسْلِمُونَ» (البقرة: 132).
*** 
كان الشيخ محمد الغزالى – رحمه الله – يجلس فى بيته بمكة المكرمة يصحح أوراق الطلبة الذين يدرس لهم فى جامعة الإمام.. وهو يدندن بإحدى قصائد أم كلثوم، عندما دخل عليه أحد الطلبة مذهولا ويقول له « فضيلة الشيخ يغنى» فقال له الغزالى: يا بنى إن الغناء كلام قبيحه قبيح وحسنه حسن. لذلك أكاد أتخيل الصدمة الشديدة التى أصابت المجتمع السعودى جراء الخطوات الانفتاحية الأخيرة من السماح للمرأة بقيادة السيارات وبدء إذاعة أغانى أم كلثوم فى التليفزيون السعودى الرسمى وتعيين متحدثة باسم السفارة السعودية فى لندن.
وقد كنت سفيرا لمصر بالرياض فى عام 1990 عندما خرج رتل من السيارات يحمل مجموعة كبيرة من النساء معظمهن من المعلمات والطالبات وسيدات الأعمال ويقود السيارات نساء حرصن على أن يكن منتقبات وبلا مساحيق ويحملن رخصا للقيادة صادرة من دول خليجية أخرى أى مسموح لحامليها بالقيادة فى دول مجلس التعاون الخليجى...
واستوقفهن رجال المرور المذهولون وسرعان ما حضر رجال الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر (الشرطة الدينية كما يطلق عليها فى الخارج ) وتم احتجازهن والتحقيق معهن ثم تسليمهن إلى أولياء أمورهن (الأب أو الزوج أو الأخ)... فالمرأة فى السعودية تحت ولاية الرجل وتعامل معاملة القاصر أو فاقد الأهلية حتى لو كانت أستاذة جامعية، ولم يتم التسليم إلا بعد توبيخ أولياء الأمور لأنهم غير قادرين على «ضبط» نسائهم وتم بعد ذلك فصلهن من وظائفهن وتم فصل الطالبات من الجامعات ومنع الجميع من السفر إلى الخارج، وفتحت عليهم أبواق خطباء المساجد واتهمن فى شرفهن وبالعمالة لإيران وتنفيذ أجندات خارجية وقد تم كل ذلك على الرغم من عدم وجود قانون فى السعودية يحظر على النساء قيادة السيارات.
***
كلمة «القانون» مكروهة لدى السلفية الوهابية بالسعودية حيث ينظر إلى القانون كبديل للشريعة، لذلك يقال الأنظمة بدلا من القانون، كما أن كلمة الحقوق أيضا غير مستحبة وتم تجنبها فى تسمية كليات الحقوق حيث تسمى كليات العلوم الإدارية، لذلك فإننى أضيف إلى الخطوات الانفتاحية التى اتخذت أخيرا ما تم هذا العام من إنشاء أول كلية حقوق بالمعنى العصرى بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة وأطلق عليها اسم «كلية الحقوق».
والذى يسترعى الانتباه هو موقف المؤسسة الدينية فى السعودية (هيئة كبار العلماء) التى تمثل تيار السلفية الوهابية المعاصرة التى بادرت بتأييد الخطوات الانفتاحية بما فى ذلك قرار الملك سلمان الخاص بقيادة المرأة للسيارة وأفتت بأن «الأصل فى الأمر هو الإباحة»، وأن «المنع كان لسد الذرائع»، وهى نفس الهيئة التى اتخذت موقفا صارما قبل ذلك من الموضوع وهاجم خطباؤها الناشطات السعوديات من على منابر المساجد بأقذع الصفات، كما استرعى انتباهى تبنى رابطة العالم الإسلامى السعودية مبدأ التنوع والاختلاف والتعددية الذى كان يعد من قبيل الهرطقة، فقد أشاد أمين عام هذه الرابطة الدكتور «محمد بن عبدالعزيز العيسى» أثناء زيارته لروما فى أوائل شهر سبتمبر الماضى بحكمة الخالق فى التنوع والاختلاف والتعددية وطالب بإيصال هذه القيم لمختلف الثقافات وللأجيال القادمة من خلال البرامج التعليمية ووسائل الإعلام، وقال «إن الإسلام هو امتداد للأديان السماوية الثلاثة وخاتما لها وبالتالى فهو يحترمها ويعترف بها، وأضاف قائلا: «والمطلوب هو احترام وتفهم رأى الآخر وليس بالضرورة القناعة به».
*** 
قد يبدو هذا الكلام – لمن لا يعرف المجتمع السعودى – طبيعيا ومنطقيا ومتوافقا مع أبجديات الحقوق الأساسية للإنسان من حرية العقيدة والعبادة والرأى والتعبير والمساواة.. إلا أننى أقول لكم إنه ليس كذلك.. إنه بداية ثورة تنويرية إذا أتيح لها الاستمرار ولم تحد عن مسارها فإنها ستفتح نوافذ كبيرة لتجديد الهواء الراكد منذ عشرات القرون.

 

سيد قاسم المصري مساعد وزير الخارجية الأسبق
التعليقات