الأحد 19 أغسطس 2018 8:07 ص القاهرة القاهرة 26.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ترى تجربة نادي «بيراميدز» ستصب في مصلحة الكرة المصرية؟

خطر وجودى يهدد صناعة الصحافة

نشر فى : الإثنين 11 يونيو 2018 - 9:10 م | آخر تحديث : الإثنين 11 يونيو 2018 - 9:10 م

صناعة الصحافة فى مصر مقدمة على كارثة محققة ما لم تحدث معجزة تنقذها من هذا المصير. فى هذه السطور أتحدث فقط عن الصناعة وليس عن المحتوى أو الحريات.

حينما حدث تعويم الجنيه المصرى أمام العملات الأجنبية فى ٣ نوفمبر ٢٠١٦، فى إطار عملية الإصلاح الاقتصادى، ارتفعت أسعار الورق ومستلزمات الطباعة، بنسبة وصلت إلى ٨٠٪. وقتها اضطرت بعض الصحف إلى رفع سعر النسخة إلى ثلاثة جنيهات، لتعويض جزء من الخسارة.

صحف أخرى ماتزال تبيع النسخة بجنيهين، وتتحمل فارق خسارة أكبر إما لأنها تملك ما يمكنها من تغطية هذه الخسارة، أو لأنها صحف قومية تسحب على المكشوف وتقوم بترحيل الخسارة إلى «النوتة» أو الأجيال المقبلة.

الصحف تحاول منذ قرار التعويم التكيف مع هذا الواقع الصعب، لكنها فوجئت بضربة قاصمة قبل أيام، حينما زادت أسعار طن الورق عالميا من ٤٥٠ دولارا إلى ٩٠٠ دولار طبقا لما قاله لى عبدالمحسن سلامة نقيب الصحفيين ورئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام.

ليلتها وكان ذلك قبل نحو أسبوع، جمعنا سحور مع خالد بدوى وزير قطاع الاعمال العام الذى يدخل فى نطاق عمله مستقبل الصحف القومية.

سلامة قال لى إن تكلفة النسخة الواحدة من الصحيفة التى تصدر فى عشرين صفحة، يصل سبعة جنيهات، فى حين أنها تباع بجنيهين فقط، والخمسة جنيهات تتحول إلى خسائر مرحلة.

فى هذه الليلة سألت كرم جبر رئيس الهيئة الوطنية للصحافة عن تصوره للخروج من المشكلة، فقال إن هناك تفكيرا فى حلول كثيرة، منها أفكار جديدة لتسويق الصحف، فى أكثر من مكان مثل المحلات والمولات، بحيث تصل إلى قراء جدد، وتباع عبر «الباراكود»، لكن ذلك يحتاج إلى بعض الحلول التقنية. وهناك اقتراحات بتمويل المعاش المبكر الاختيارى، حتى يمكن تقليل عدد العمالة.

بالطبع المشكلة الكبرى أن المصروفات فى المؤسسات الصحفية القومية أكبر بكثير من الإيرادات، وإحدى المؤسسات تدفع رواتب 68 مليون جنيه شهريا، فى حين أن عائدات الإعلانات لا تكفى تقريبا لنصف هذا المبلغ.

العمالة فى المؤسسات متضخمة، وبعضها لا يعمل إطلاقا، لكن يد الإدارات مغلولة عن اتخاذ حلول جذرية لتسوية أوضاع العمالة الفائضة.

أحد رؤساء مجالس الإدارات قال لى إنه يمكنه أن يوقف نزيف الخسائر فورا، اذا انهى خدمة نصف العاملين، الذين لا تحتاجهم المؤسسة، لكن ذلك صعب عمليا لأنه يحتاج قرارا سياسيا يراعى أوضاعا أمنية واجتماعية. معظم هذه المؤسسات توقفت عن التعيينات الجديدة، حتى لا تزيد المشكلة تعقيدا. هذا قرار صحيح اقتصاديا لكنه يؤدى إلى إصابة هذه المؤسسات بالعجز والهرم، وعدم ضخ أى دماء جديدة فى شرايينها، مما يؤدى إلى تكلسها وشيخوختها، واتساع الفجوة الجيلية.

الحكومة تقول أيضا إنها لا تستطيع أن تستمر فى ضخ المزيد من الأموال فى «بالوعة» لا تتوقف، وترغب فى إدارة المؤسسات الصحفية القومية بصورة اقتصادية، وهناك افكار تدور حول استغلال الاصول الاقتصادية لبعض المؤسسات، وتحويلها إلى مشروعات استثمارية. وفى المقابل فإن المؤسسات تشكو من أن الحكومة تستخدمها للحشد والتعبئة، وبالتالى فهى لا تستطيع المنافسة، وأنها لا يمكنها أن تستمر فى تحمل ديون هائلة بالمليارات جراء أوضاع وسياسات خاطئة فى الماضى.

أوضاع الصحف الخاصة ليست فى أفضل حال، لكنها أقل سوءا من نظيرتها القومية. هى تعانى بشدة لأنها لا تتلقى أى دعم حكومى. باستثناء الموقف المحترم لمؤسسة الأهرام ورئيس مجلس ادارتها الذى يجدول بين الحين والاخر مديونيات الطباعة لبعض الصحف الخاصة التى تطبع فى الأهرام.

ما هو الحل وسط كل هذا الضباب؟!
عبدالمحسن سلامة قال لى إنه يفكر بجدية فى الدعوة لمؤتمر عام للصحفيين المصريين، لمناقشة مستقبل صناعة الصحافة، حتى يتناقش الجميع فى بحث أفضل السبل للحفاظ على وجود هذه الصناعة التى تتعرض لتهديد فى صميم وجودها.

بالمناسبة كل ما سبق يتعلق بالصناعة، ولم نتحدث بعد عن المحتوى والحريات والابتكار والمنافسة.. وتلك مأساة أخرى نتمنى أن نناقشها قريبا لانها ستقضى على أى قوة ناعمة كنا نباهى بها صحف المنطقة.

عماد الدين حسين  كاتب صحفي