السبت 21 يوليو 2018 2:01 م القاهرة القاهرة 35.8°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تجد فرنسا تستحق لقب كأس العالم 2018 ؟

حداثتنا العربية.. ماذا تبقى منها؟

نشر فى : الإثنين 9 يوليو 2018 - 10:45 م | آخر تحديث : الإثنين 9 يوليو 2018 - 10:45 م

نشرت مؤسسة الفكر العربى مقالا للكاتب اللبنانى «مسعود ضاهر» يتناول فيه إشكالية الحداثة والتحديث فى الدول العربية من منظور عقلانى من خلال المقارنة بين النموذج العربى والنموذج اليابانى باعتبارهما نموذجين لا ينتميان إلى الثقافة الغربية حتى لحظة الاحتكاك بها.
استهل الكاتب حديثه بالإشارة إلى أن النهضة العربية فى مصر سبقت النهضة اليابانية بعقود عدة، وكانت نموذجا يُحتذى لبعض متنوريها. وكُتبت دراسات علمية كثيرة حول إشكالية الحداثة والتحديث فى كلٍ من اليابان والدول العربية. فقد كانت مصر فى أواسط القرن التاسع عشر أكثر تطورا فى مجالات عدة من اليابان التى كانت تعيش نوعا من العزلة القسرية إلى أن أجبرتها السفن الأمريكية السوداء بقيادة الكومندور بيرى على فتح أبوابها أمام الملاحة الدولية عام 1853 وتوقيع اتفاقيات مُذلة بحق اليابان واليابانيين فى تلك الفترة.
وفى زمن الانتفاضات العربية المأزومة والتدخل العسكرى الخارجى المُباشر لإعادة تقسيم منطقة الشرق الأوسط، باتت إشكالية الحداثة والتحديث فى العالم العربى ترتدى أهمية استثنائية لأنها ترسم آفاق المنطقة العربية بأسرها.
لذا تحتاج إشكالية الحداثة المُستدامَة فى العالَم العربى إلى كثير من الجرأة والتعمق فى مُعالَجة مشكلات التحديث الفاشل والمستمر فى غالبية الدول العربية. وهذا ما قامت به جامعة القاهرة بمناسبة افتتاح «المركز العلمى للدراسات اليابانية» فى رحابها. وقد أتيحت لى الفرصة للمشاركة فى المؤتمر الدولى الذى نظمه مركز اللغة اليابانية وآدابها فى جامعة القاهرة بالتعاون مع جامعات يابانية تحت عنوان «إعادة تقييم تجربة الحداثة والتحديث فى المجتمعات غير الغربية: النموذج اليابانى والنموذج العربى»، وذلك خلال يومى 15 و16 يوليو 2017.
حضر المؤتمر أكثر من ثلاثين باحثا يابانيا، معظمهم من جامعة كورومى فى مقاطعة كيوشو، ومن جامعة هيروشيما وجامعات يابانية أخرى، إلى جانب حشد من الباحثين المصريين والعرب المهتمين بقضايا التحديث الراهنة فى اليابان، والعالم العربى، وتركيا.
تناولت محاور المؤتمر موضوعات عدة أبرزها: «لماذا نجحت التجربة اليابانية فى الحداثة والتحديث، بينما أخفقت التجربة العربية؟»، و«الحداثة والقضايا الفكرية والاجتماعية والسياسية والأفكار والمفاهيم الحديثة: تناقض أم تناغم»، و«اليابان ما بين الأصالة والمعاصرة»، و«التعليم الحديث فى اليابان»، و«الأدب الحديث والمُعاصِر فى اليابان ومصر»، و«الحداثة والقضايا اللغوية والثقافية»، فضلا عن موضوعات أخرى فى مجال العلوم الإنسانية، والفنية، واللغوية، والإعلامية وغيرها. وبدا واضحا أن الغاية الأساسية من تأسيس «المركز العلمى للدراسات اليابانية» فى جامعة القاهرة تتمحور حول كيفية الانتقال من مرحلة نشْر اللغة اليابانية، التى بدأها قسم اللغة اليابانية فى جامعة القاهرة منذ تأسيسه فى العام 1947، إلى مرحلة البحث العِلمى المعمق للاستفادة العِلمية من التجربة اليابانية الفريدة فى الحداثة والتحديث فى مصر وباقى الدول العربية وتركيا، على غرار ما قامت به ماليزيا ودُول آسيوية أخرى.
***
تضمَن المؤتمر موضوعات جديدة لم تُطرح فى مؤتمرات أكاديمية سابقة، حيث كانت الأبحاث تتكرر، ومعها توصيات كثيرة لم تُنفذ. وقد عالجت بعض أبحاث هذا المؤتمر إشكالية الحداثة والتحديث فى الدول العربية من منظور عقلانى، بهدف تجديد المقولات النظرية السائدة بين المثقفين العرب عن نهضة كل من اليابان والدول العربية كنموذجَين مُتمايزَين لا ينتميان إلى ثقافة الغرب حتى لحظة الاحتكاك بها. بيد أن قلة من الأبحاث التى قُدمت إلى المؤتمر العربى ــ اليابانى الجديد التزمت فعلا بأهدافه المُعلَنة. وأبرز تلك الأبحاث: «لماذا فشل مشروع الحداثة العربية؟»، و«هل نجحت اليابان فى إقامة نمط غربى أم مغاير للحداثة الغربية؟» فحظى هذان البحثان بما يستحقان من نقاش علمى نظرا إلى خطورة المقولة النظرية التى تُخرج الحداثة اليابانية من إطارها التاريخى بوصفها حداثة سليمة لتُلحقها بالنموذج الغربى وتعتبرها مُلحقا له. فقد نجحت اليابان حيث فشل الغرب فى إقامة التوازن بين الأصالة والمُعاصرة. لكن مأزق نهضة اليابان الأولى يجد تفسيره فى أن حركة التحديث الأولى حوَلت اليابان إلى دولة إمبريالية مارَست الهَيمنة العسكرية بصورة مؤلِمة تركت آثارا سلبية على علاقاتها بالدول والشعوب الآسيوية التى خضعت لاستعمارها. كما أن صدامها الدموى مع الأمريكيين فى بيرل هاربر عرضها لحرب مدمرة استخدم فيها الأمريكيون القنابل الذرية بصورة همجية، وللمرة الأولى فى تاريخ الحروب الدولية، لإجبار اليابان على الاستسلام. فكان على الأُمم المتحدة التحذير من مَخاطر استخدام السلاح النووى وأسلحة التدمير الشامل فى الحروب، لأنها تدمر المجتمعات البشرية بأسرها. وكان على اليابان تصويب مسار حداثتها لبناء نهضة جديدة على قاعدة القوة الناعمة وليس القوة العسكرية، وتوجيه النهضة الثانية لتحقيق التنمية البشرية والاقتصادية المُستدامَة فى اليابان وبناء المجتمع الديموقراطى اليابانى.
على الجانب العربى، تركز مقولات الحداثة المُستدامَة على دَور مجتمع المعرفة وثقافة التغيير الديموقراطى فى بناء مجتمع عربى موحد وقادر على مُواجَهة تحديات العَولَمة. ويشكِل البحث العِلمى حجر الزاوية فى بناء مجتمع المعرفة العربى. والمجتمعات العربية بأمس الحاجة إلى تجاوز التحديث المُفضى إلى التبعية والتغريب لبناء حداثة سليمة تؤسِس لتنمية بشرية واقتصادية مُستدامَة فى جميع الدول العربية. ومع أن المجتمعات العربية مُتباينة جدا فى تاريخها، ونُظمها السياسية المتنوعة، إلا أنها مُتقاربة فى سيرورتها، بسبب عجزها عن إقامة مجتمع المعرفة العربى بخصائص عربية، وبأدمغة عربية. وهى مدعوَة إلى دراسة الحداثة المُستدامَة فى الدول التى جمعت بين العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة مع الحفاظ على كل ما هو إيجابى فى التراث التقليدى، وإقامة التوازن بين الأصالة والمُعاصرة.
اعتمدت الحداثة المُستدامَة مبدأ التوازن والانسجام بين الإنسان والطبيعة. ويشكل التراث الإنسانى العريق قاعدة صلبة لحداثة سليمة ومُستدامَة تمنع انحراف حركة التحديث نحو التبعية والاستلاب.
***

تراث العرب الذهبى والمستقبل

ويضيف الكاتب أن الدول التى نجحت فى بناء حداثة سليمة وتنمية مُستدامَة تميزت بالانفتاح المدروس على الثقافات العالمية، واحترام الثقافات الأخرى، ومنها الثقافة العربية، وتقدير دَورها فى بناء الحضارة الإنسانية. وباتت النخب العربية اليوم على قناعة تامة بأن تراث العرب الذهبى لا يُمكن توظيفه بصورة عقلانية فى بناء مستقبل عربى أفضل. وهو موقف سليم لتجديد النهضة العربية على قاعدة التوازن بين الأصالة والمُعاصرة. فالشعوب العربية بحاجة ماسة إلى مؤسسات عصرية لبناء حداثة مُستدامَة فى مُواجَهة التحدى الإمبريالى الغربى المُعولَم الذى يُهدِد تراثها الثقافى الإنسانى. وهو يعيق نشر مقولات ثقافية عربية جديدة تمنع تفجير الدول العربية القائمة عبر نزاعات داخلية تساندها قوى إقليمية ودولية تعمل على تفكيك المنطقة العربية تمهيدا لقيام الشرق الأوسط الجديد برعاية أمريكية ــ إسرائيلية مُشترَكة.
يَكمن مأزق بناء نهضة عربية قادرة اليوم على مواجَهة تحديات العَولمة فى أن القادة العرب لم يتوافقوا على تنفيذ أى مشروع نهضوى، على الرغم من كثرة المشاريع التى تدعو إلى التضامن، والتكامل، والوحدة العربية. واقتبست النخب الثقافية العربية مقولات التحديث الغربية من دون أن تستفيد منها فى بناء حداثة سليمة. كما أن التعاون الأكاديمى والثقافى والشبابى العربى بقى ضعيفا للغاية، مقارنة بالحضور الطاغى للثقافة الغربية على النخب العربية. وتتحكم المؤسسات السياسية والمالية والإعلامية الغربية بالنُظم الإدارية فى كثير من الدول العربية. ولم يستنبط المتنورون العرب أى منظومة فكرية عربية قادرة على استنهاض المجتمعات العربية التى لا تزال أسيرة عصبيات سياسية تتبنى التقاليد القبلية والطائفية والعرقية التى تمنع قيام الدولة العربية الحديثة. ولم تول النخب العربية الاهتمام الكافى لدراسة أسباب نجاح الحداثة فى الغرب وفى الدول الآسيوية التى بنت حداثة مُستدامَة انطلاقا من المقولات العقلانية فى ثقافاتها الأصلية. والمتنورون العرب مدعوون اليوم إلى الإقلاع عن ترداد مقولات تراثية قديمة أسَست لـ«هويات قاتلة» بحسب توصيف الروائى أمين معلوف، تحت ستار الحفاظ على الأصالة، أو التمسك بمقولات استشراقية لا تُقيم وزنا للتضحيات الكبيرة التى قدمتها الشعوب العربية فى سعيها للتحرر من التبعية للخارج.
***
نخلص إلى القول إن الحداثة المُستدامَة ليست تقليدا للحداثة الغربية أو الشرقية، بل تستمد صدقيتها من حماية التبدلات الجذرية الإيجابية التى أدخلتها حركات التحرر العربية على المجتمعات العربية وتطويرها. وهناك ضرورة ملحة للتمييز بين مكونات الحداثة المُستدامَة ومقولات التحديث العربى فى أرقى تجلياتها، من خلال تجربة محمد على فى القرن التاسع عشر، والتى عجزت عن تحويل التحديث إلى حداثة مُستدامَة فى المنطقة العربية. أما المُقارَنة بين مظاهر التحديث السائدة اليوم فى بعض الدول العربية، والحداثة المُستدامَة فى الدول الأوروبية والأمريكية والآسيوية المتطورة فلَم تعُد مُمكنة. ولا تشكِل مقولات القوة الناعمة نموذجا يُحتذى للدول العربية فى صراعها المُتفاقم مع الدول الكبرى والشركات الاحتكارية التى تُشعِل حروبا متواصلة لاقتسام المَوارِد الطبيعية وتكبيل الإرادة العربية. ولن تُبنى الحداثة العربية المُستدامَة على الاقتباس السهل لمقولات غربية أو شرقية، بل ستكون نِتاج النخبة السياسية والاقتصادية والثقافية العربية، ولخدمة الشعوب العربية بالدرجة الأولى.
وذلك يتطلب سياسة عربية فاعِلة فى مواجَهة مشاريع التجزئة والتقسيم التى تهدِد بقاء جميع الدول العربية ومستقبل شعوبها. والمقارَنة بين حداثة مُستدامَة وتحديث فاشل تقودها أنظمة عربية تسلطية لا تُثمر مقولات عِلمية رصينة. ولا بد من القيام بخطوات عقلانية مدروسة لوضع مقولات الحداثة المُستدامَة على جدول أعمال النخب السياسية والثقافية والتربوية والاقتصادية العربية لإطلاق مشروع نهضوى عربى جديد لمواجَهة تحديات الإرهاب المعولم.

النص الأصلى: https://bit.ly/2m0hYUv

التعليقات