السبت 21 يوليو 2018 2:04 م القاهرة القاهرة 35.8°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تجد فرنسا تستحق لقب كأس العالم 2018 ؟

إعادة الإعمار فى سوريا: قوانين استملاك الجماعى المنظم

نشر فى : الإثنين 2 يوليو 2018 - 10:10 م | آخر تحديث : الإثنين 2 يوليو 2018 - 10:13 م

نشرت مبادرة الإصلاح العربى ورقة بحثية عن قوانين استملاك الجماعى التى أصدرتها الحكومة السورية فى إبريل الماضى، والتى تسمح بإنشاء مناطق تنظيمية فى جميع أنحاء سوريا، وسيتم تخصيصها لإعادة الإعمار. ومن الجدير بالذكر أن توقيت هذا القانون ولد مخاوف مشروعة حول تداعياته على السوريين داخل سوريا وملايين النازحين منهم وتداعياته من منظور قانونى وتقنى بحت، بما فى ذلك قصوره فى حماية حقوق الملكية والقيود المختلفة التى يفرضها على مالكى العقارات.

فى البداية تشير الورقة البحثية إلى الملاحظات الأولية حول الجوانب القانونية المرتبطة بالقانون.
إن القانون رقم 10 لعام 2018 هو نسخة مُعدَلة من المرسوم التشريعى رقم 66 لعام 2012. ويبين ذلك أن أى موضوع فى النظام الدستورى السورى يمكن أن يُنظَم بقانون ــ بعد عرضه على مجلس الشعب ــ أو بمرسوم تشريعى، أو حتى بمرسوم تنظيمى من السلطة التنفيذية. وهذا بحد ذاته يطرح عدة تساؤلات حول المنظومة التشريعية بشكل عام.
لا يمكن قراءة القانون رقم 10 وتفسيره إلا مع الأخذ بالاعتبار جملة من التشريعات التى صدرت فى سوريا على مدى نصف قرن تتعلق بالاستملاك والتنظيم العمرانى، والتى بدورها لا تتضمن معايير الحد الأدنى لحماية حقوق المالكين.
فقانون الاستملاك الصادر بالمرسوم التشريعى رقم 20 لعام 1983، والذى لا يزال نافذا رغم تعديل الدستور يعطى صفة النفع العام التى تبرر الاستملاك لتنفيذ منشآت خاصة بحزب البعث العربى الاشتراكى والمنظمات الشعبية. كما يسمح بالاستملاك لتنفيذ مشاريع سكنية شعبية أو تجمعات سكنية للعسكريين أو لأسر الشهداء، وبيعها لهم. أى أن غاية استملاك عقار شخص ما هو لبيعه لشخص آخر، وهذا غير مقبول فى أى نظام قانونى، لأنه يناقض فكرة النفع العام المُبرِرة للاستملاك. ويسمح القانون لجهة الاستملاك (الجهات العامة) أن تقتطع مجانا (دون تعويض) ربع مساحة العقار المُستملك. كما يسمح بتسديد تعويضات الاستملاك خلال خمس سنوات من تاريخ صدور قرار الاستملاك، ويسمح بتسديد هذه التعويضات بالتقسيط. بالإضافة إلى أنه يسمح للجهات العامة فى حال استملكت عقارات ولم تنفذ مشروع النفع العام بتحويل هذه العقارات لملكيتها الخاصة ولها الحق فى بيعها، وهذا مخالف لأبسط معايير حماية الملكية. وهذا ما قامت به معظم الجهات العامة بالفعل من أجل تنمية إيراداتها، حيث تم استملاك أو وضع إشارات استملاك على كمٍ كبير من العقارات منذ عشرات السنين، ومن ثم تم بيعها لشركات استثمارية تحت مبرِرات الاستثمار السياحى والتطوير العقارى. خصوصا وأن معظم الاستملاكات كانت تتم وفقا للقانون رقم 60 لعام 1979 بهدف التنظيم العمرانى والذى اعتبرت المادة الثالثة منه هذه العقارات ــ فى معرض تقدير قيمتها حين استملاكها ــ عقارات زراعية. أى إن قيمتها تُقدر حين استملاكها بما لا يتجاوز عشرة أمثال قيمة إنتاجها السنوى، وقد أدى ذلك إلى استملاك كم هائل من العقارات مقابل تعويضات زهيدة. وتجدر الإشارة إلى أن القرارات الصادرة بالاستملاك تكون مُبرَمة ولا تقبل أى طريق من طرق الطعن أو المراجعة أمام القضاء.

من زاوية قانونية/فنية بحتة، يمكن التساؤل عن توقيت إصدار هذا القانون فى هذا الوقت، فإذا كان الهدف هو التنظيم العمرانى فلماذا لم يتم تنظيم الكثير من مناطق العشوائيات قبل أن تنشأ، أو تتفاقم أو بعد أن نشأت فى فترات زمنية سابقة؟ علما بأن عشرات المؤتمرات قد عُقِدت خلال العشرين سنة الأخيرة حول هذه القضية. وقُدِمت بشأنها المئات من الدراسات والمشاريع، وتم الاطلاع على العشرات من التجارب فى دول العالم.

هذا التساؤل مطروح من ناحية قانونية فنية بحتة، فآليات الإنفاذ والأموال والظروف كانت متوفرة بشكل أكبر. مما يبرر طرح مسألة المآرب الأخرى غير العمرانية لهذا القانون والمرسوم 66 لعام 2012 الذى سبقه، والذى لم تُثر بشأنه فى حينها هذه التساؤلات باعتباره كان محدود التنفيذ من حيث المناطق المُستهدَفة، وكان حجم التهجير ونزوح السكان المالكين لا يزال محدودا.
الجوانب القانونية المرتبطة بالقانون رقم 10 دون غيره

لا دور للوحدات المحلية على مستوى القرار بإنشاء المناطق التنظيمية (العمرانية)، فالقرار فقط للسلطة المركزية (رئيس الجمهورية بناء على اقتراح وزير الإدارة المحلية). أى هو تنظيم غير تشاركى مع أصحاب المصالح، لا دور للوحدات المحلية فى قرار الإحداث، ولا دور للمجتمع المحلى ولا مشاورات مع المالكين وأصحاب الحقوق. أما دور الوحدات المحلية فينحصر فى التنفيذ.
تشكل الوحدة الإدارية بقرار من رئيسها خلال شهر من تاريخ صدور مرسوم إحداث المنطقة التنظيمية؛ لجنة أو أكثر لحصر وتوصيف عقارات المنطقة، وتنظيم ضبوط مُفصَلة بمحتوياتها من بناء وأشجار ومزروعات وغيرها، مع إجراء مسح اجتماعى للسكان فى المنطقة، ولها أن تستعين بالصور الفضائية والجوية للاستناد إليها فى عمل اللجنة واللجان الأخرى، وينص قرار تشكيلها على المدة اللازمة لإنجاز عملها.

مع الأخذ بالاعتبار أن المقصود فى أغلب الأحوال بالوحدة الإدارية هو المحافظة، باعتبارها القادرة من حيث الصلاحيات على القيام بذلك. ورئيس هذه الوحدة هو المحافظ المُعين من السلطة المركزية، بغض النظر عن الملاحظات حول انتخابات المجالس. وبجميع الأحوال فإن رؤساء الوحدات المحلية الأدنى ــ المُفترض أنهم مُنتخبون، وهم منتخبون وَفْق قانون غير تنافسى ــ يُعينون ويُعزلون بقرار من السلطة المركزية، ولا قيمة لنتائج الانتخابات. ومثال ذلك أخيرا: رؤساء مجلس مدن اللاذقية ودرعا وحلب.

«لماذا المسح الاجتماعى لسكان المنطقة؟ ما علاقة ذلك بالتنظيم العمرانى؟ ما طبيعة المسح الاجتماعى (إثنية، طائفة، جنس، عمر...)؟ علما بأن النص على إجراء المسح الاجتماعى إلزامى.
هذا النص أو الحكم الغريب عن سياق القانون، يُعد بمثابة الحكم المُقحَم. وهذا ما يُسمى وفقا لمعايير الإجراءات التشريعية: استغلال عملية التشريع لتمرير أحكام لمآرب خاصة خلسة.
وهو من أهم القضايا الواضحة التى يمكن أن تُثار فى مواجهة القانون رقم 10، حيث إن هذا النص مُقحَم وخارج عن سياق القانون المُتعلق بالتنظيم العمرانى. ولعل هذا أهم ما يبرر من الناحية القانونية الصِرفة ما تم إثارته إعلاميا وسياسيا حول أن القانون رقم 10 هو نمط من الهندسة الديمغرافية.
«تدعو الوحدة الإدارية خلال شهر من صدور مرسوم إحداث المنطقة المالكين وأصحاب الحقوق العينية فيها بإعلان يُنشَر فى صحيفة محلية واحدة على الأقل وفى إحدى وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والموقع الإلكترونى لها وفى لوحة إعلاناتها ولوحة إعلانات المنطقة للتصريح بحقوقهم، وعلى هؤلاء وكل من له علاقة بعقارات المنطقة التنظيمية أصالة أو وصاية أو وكالة أن يتقدم إلى الوحدة الإدارية خلال ثلاثين يوما من تاريخ الإعلان بطلب يعين فيه محل إقامته المختار ضمن الوحدة الإدارية مُرفقا بالوثائق والمستندات المُؤيِدة لحقوقه أو صورٍ عنها ــ إن وُجِدَت ــ وفى حال عدم وجودها عليه أن يذكر فى طلبه المواقع والحدود والحصص والنوع الشرعى والقانونى للعقار أو الحقوق التى يدعى بها وجميع الدعاوى المرفوعة له أو عليه».

إن الإعلان يتم خلال شهر من صدور مرسوم الإحداث وتبدأ المهلة لإثبات الحقوق خلال 30 يوما من الإعلان، أى إن المدة القصوى من تاريخ أول إعلان وحتى انتهاء المدة هى بحدود 60 يوما، وفى ضوء التعقيدات الإدارية والموافقات الأمنية فإن هذه المدة تبدو قصيرة جدا من حيث المبدأ.
وإذا ما أُضِيف إليها مسألة النزوح والتهجير ووفاة بعض المالكين أو مقتلهم، والملاحقة القضائية للبعض الآخر بموجب قوانين مكافحة الإرهاب؛ فإن الأمر يزداد صعوبة.

ويصبح الأمر شبه مستحيل إذا ما أخذنا بالحسبان أن معظم المناطق المقصودة بالتنظيم هى عشوائيات، حيث الملكيات غير مُسجَلة فى سجل عقارى، وإنما يتم إثباتها بطرق مختلفة (فواتير الماء والكهرباء والهاتف)، أو وثائق غير رسمية مُوقَعة بين أطراف تداولت شراء هذه العقارات، مع بقاء ملكية العقار ــ ومعظمها زراعى ــ باسم المالك الأصلى المتوفى منذ عقود، وورثته لا يمكن تحديدهم ولهم الحق بالمطالبة بحقوقهم إضافة لحقوق واضعى اليد، أى إن الأمر يحتاج لمستويين من حصر الإرث على الأقل: للمالكين الأوليين أو الأصليين، وللمالكين بحكم وضع اليد، ومعروف أن هذه العمليات تستغرق وقتا طويلا يتجاوز عدة سنوات لإنجازها.
ويزداد الأمر خطورة بحكم تفشى عمليات الفساد فى الإدارات المُكلَفة بإنفاذ أحكام القانون، حيث يمكن الحصول على وثائق وشهادات وفواتير لإثبات ملكية من لا يملك، وهذا أمر يتم أحيانا فى مناطق العقارات التى فيها سجل عقارى، فما بالك فى مناطق العقارات غير المُسجَلة والتى هى معظم مناطق التنظيم المستهدفة بموجب القانون؟

باختصار، تشكِل عملية الإثبات فى مدة طويلة مُعضِلة للمالكين، فكيف خلال مدة قصيرة؟ ودون أن ننسى ما يترتب على ذلك من حقوق نتيجة هذا القانون.

فى الواقع، إن التكييف القانونى لما أُطلِق عليه بنص القانون رقم 10 عبارة «الاقتطاع المجانى» هو مصادرة. حيث لا يوجد قانونا فى المصطلحات القانونية (الدستورية) ما يُسمى (الاقتطاع). وأما الموجود بما يتعلق بالأموال هو إما استملاك أو مصادرة، بما فى ذلك الدستور السورى الحالى لعام 2012.

ختاما، من الجدير بالذكر أن المادة (29 / أ ) تنص على توزيع المقاسم ونقل ملكيتها وتسجيلها بالسجل العقارى ضمن ثلاثة خيارات وفق رغبة واختيار مالكى أسهم المقاسم التنظيمية على الشيوع.
الخيار الأول: التخصص بالمقاسم.
الخيار الثانى: المساهمة فى تأسيس شركة مساهمة وفق قانون الشركات النافذ أو قانون التطوير والاستثمار العقارى لبناء وبيع واستثمار المقاسم.
الخيار الثالث: البيع بالمزاد العلنى.
فوفقا لهذه المادة تضع المالكين أمام خيارات مؤلمة، خصوصا أن معظمهم من صغار المالكين. وفى الواقع، فإن ما ورد من خيارات هو نظام لا يمكن فهمه وإنفاذه بصورة عقلانية، وهو قابل للانفجار بما يتضمن، وهو كفيل وحده بإهدار حقوق أصحاب الملكيات بالنظر لإجراءاته وتكاليفه وعدم مضمونية نتائجه.
النص الأصلى

التعليقات